الطريق التاريخية: إعادة العمل بنظام “التويزة” هو الحل غياب مطلق للمجلس والسلطات الإقليمية، بني ورياكل، قبيلة جبلية تصنع الحدث.

عبد النبي الشراط
في تحد قوي للطبيعة وتضاريس الأرض والجبال، ومقاومة الغابة، شمر سكان دوار “درميك” عن سواعدهم بتعاون مع دواوير مجاورة وقرروا فك العزلة عن “دوارهم” الذي ضل خارج التغطية التنموية لعقود طويلة من الزمن، وأعادوا للأذهان نظام قبلي قديم يدعى “التويزة” حيث كان الناس في الماضي القريب يجتمعون للعمل في حقول شخص واحد بالتناوب، فيقضي كل الناس حاجاتهم وأعمالهم دون اللجوء للاستعانة بالعمال.
وفي عهد الحماية الفرنسية، كانت سلطاتها تفرض على المواطنين ما اصطلح عليه ب”الربعيام” أي، (أربعة أيام عمل) تفرض على السكان بالتناوب للقيام بأعمال الغرس وشق الطرقات بلا مقابل، لكن في نهاية المطاف كانت الأشغال تنجز لفائدة المصلحة العامة، بالرغم من أنه شيء غير محبب أن تشغل السلطة الناس بالقوة وبلا مقابل، بخلاف نظام التويزة الذي يتطوع الناس تلقائيا وبمحض إرادتهم للقيام بأعمال لفائدة شخص واحد بالتناوب.

دوار درميك، يقع بقبيلة بني ورياغل قيادة تافرانت إقليم تاونات، قرروا مؤخرا الخروج جماعة لفتح طريق من أجل ربط دوارهم بالعالم الخارجي، إذ ضلوا محرومين من استعمال وسائل النقل على غرار بقية المداشر المجاورة، والجماعات المجاورة أيضا، ويقوم السكان بشق طريق طولها لا يقل عن ثلاث كيلومترات، في غياب تام لمجلس جماعة كيسان التي يتبع لها الدوار، وكان السكان يأملون من مجلسهم المساهمة على الأقل بالآليات (جرافة، شاحنة) لحفر الأرض ونقل الرملة على الأقل، لكن يبدو أن مجلس جماعة كيسان غائب نهائيا عن المشهد، طبقا لما أكده لنا مواطنون من عين المكان.
منذ ما يقرب من الشهر والأشغال اليدوية البدائية جارية، دون تدخل أو مساعدة ليس من المجلس فقط بل حتى السلطات الإقليمية التي يبدو بدورها أنها أغمضت عينها عن الموضوع بالرغم من النداءات المتكررة عبر وسائط التواصل الاجتماعي الموجهة للسيد عامل الإقليم بشكل مباشر، حيث ظهرت العديد من الفيديوهات يستغيث الناس عبرها بشكل شخصي بعامل جلالة الملك على إقليم تاونات الذي علق عليه السكان آمالا كثيرة منذ تعيينه منتصف السنة الماضة عاملا على الإقليم خلفا لسلفه السابق غير المأسوف على رحيله.

إذ تميز عهد العامل السابق بآذانه الصماء، وغلق مكتبه في وجوه المواطنين وترك أمرهم بيد مدير ديوانه الذي بدوره لم يكن يرى ولا يسمع.
خاصة وأن العامل السابق كان سببا في تحويل الطريق الجهوية 419 الشهيرة وتحويلها إلى طريق إقليمية بدعوى أن الطريق المذكورة تعرف انهيارات مستمرة وأن تحويلها إلى طريق إقليمية سوف ييسر عملية إصلاحها عبر الجماعات المحلية والمجلس الإقليمي، والعمالة طبعا، وكان وعد بإصلاحها سنة 2022، وهي الطريق الرابطة بين جماعة أورتزاغ وجماعة كيسان نفسها، التي تعرف حدثا استثنائيا هذه الأيام.

لكن مع الأسف الشديد، غادر العامل السابق مقر عمالة الإقليم غير مأسوف عليه وما زالت الطريق مهترئة ولا تصلح حتى لمرور البهائم فأحرى أن تمر منها السيارات.
الآن ما زال سكان الإقليم يتوسمون خيرا في العامل الجديد الذي بدأ عمله بزيارات ولقاءات متعددة مع الجماعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني وقُدمت اقتراحات وآراء للنهوض بالعمل التنموي في الإقليم، وما زال الناس ينتظرون ثمار تلك اللقاءات “التشاورية” ويأملون ألا تبقى حبيسة الرفوف والدهاليز أو يلقى بها في سلات المهملات.
سكان دوار “درميك” إنما يستنجدون بالسيد عامل الإقليم، لسبب واضح هو عدم ثقتهم في مجلسهم المنتخب، الذي صم رئيسه وأعضاؤه آذانهم تجاه صرخات المواطنين الذين يعتبرهم الرئيس وحاشيته مجرد خزان انتخابي لا غير، خاصة وأن رئيس جماعة كيسان كان يطمج للترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، لكن إن فعل فعلى أساس سيبني برنامجه الانتخابي وقد أعرض عن السكان وتركهم لمصيرهم المحتوم، ولم يقدم لهم أي دعم أو مساعدة بالرغم من أن الطرقات والمسالك الطرقية الصغيرة من صميم أعمال المجلس.
الطريق التي تُشق الآن بسواعد السكان وأموالهم وغذائهم، حتى أنهم استأجروا جرافات للاستعانة بها في شق الطريق التي تستحق أن يطلق عليها اسم “الطريق التاريخية” وتنجز في مدخلها ونهايتها لافتة كبيرة تخلد لهذا العمل الوطني الكبير الذي يقوم به سكان دوار درميك بقبيلة بني ورياكل، (جماعة كيسان) ومن حقهم كذلك أن يطالبوا بحذف هذه الجماعة من سجلات الجماعات الترابية بما أنها لا تقدم ولا تؤخر.
تحية كبيرة لسكان درميك ولسكان دوار تزران حيث تبرع سكانه بالأرض والأشجار في سبيل إنجاز هذه الطريق لييسروا على إخوانهم الولوج لمنازلهم بشكل آمن، ويستحق التقدير والاحترام كل من آزر وساند ودعم سكان “درميك” ماديا ومعنويا في إنجاز طريقهم التاريخية.@



