أخبار وطنية

استيعاب آليات تنزيل مشاريع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة : رهان حاسم أمام المنتخبين لضمان تنمية فعالة 

يونس لكحل.                                      

يُعدّ مشروع “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة” ورشاً ملكياً استراتيجياً تم الإعلان عنه في إطار التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إرساء نموذج تنموي أكثر إنصافاً ونجاعة، بحيث يقوم على جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، من خلال اعتماد مقاربة ترابية مندمجة تنطلق من الحاجيات الحقيقية المعبر عنها محلياً، وتسعى إلى تقليص الفوارق المجالية وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، بما يكرّس تنمية شاملة ومستدامة تستجيب لتحديات المرحلة وتطلعات المواطنين،

وهو بذلك يعد تحولا عميقا في فلسفة تدبير الشأن العام، عبر تنزيل جيل جديد من برامج التنمية وفق مقاربة تشاركية انطلقت من الاستماع والتشخيص، واستندت إلى التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى جعل كرامة المواطن وتحسين ظروف عيشه جوهر كل السياسات العمومية.

هذا الورش الإصلاحي الكبير القادم لا يقتصر على إعادة ترتيب الأولويات التنموية، بل يؤسس لنموذج جديد في الحكامة الترابية، يقوم على التشخيص الدقيق للحاجيات، والتخطيط المبني على المعطيات الميدانية، إلى جانب تعبئة استثمارات ضخمة على مدى ثماني سنوات.

فبعد اعتماد مقاربة تشاركية غير مسبوقة، حيث تم تنظيم مشاورات واسعة وعمليات إنصات شملت مختلف الأقاليم والعمالات، أفضت إلى تشخيص ترابي دقيق رصد مكامن القوة والضعف، خاصة في مجالات حيوية كالتشغيل والتعليم والصحة والبنيات التحتية.

مما اعتبر تحولا في فهم للحاجيات والمتطلبات بشكل واقعي من خلال وجود إرادة واضحة للقطع مع المقاربات التقليدية التي كانت تعتمد على قرارات مركزية، وتعويضها بمنطق يضع المواطن في صلب عملية اتخاذ القرار.

فالنموذج الجديد يقوم على توزيع دقيق للأدوار بين المستويات المحلية ( الاقليمية )  والجهوية والوطنية. فعلى المستوى المحلي، ستضطلع لجان يرأسها عمال الأقاليم بمهمة إعداد وتتبع البرامج، بمشاركة المنتخبين والمصالح اللاممركزة.

أما على المستوى الجهوي، فستتكلف لجان برئاسة ولاة الجهات بضمان انسجام المشاريع، في حين ستتولى لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة المصادقة والتنسيق العام.

وهذا التنظيم يضع المنتخبين في قلب العملية التنموية، ليس فقط كشركاء، بل كفاعلين أساسيين في بلورة المشاريع وتتبع تنفيذها.

والمنتخبون الآن أمام مرحلة مفصلية

في ظل هذه التحولات،لاستيعاب رهانات هذا الجيل الجديد من البرامج. بإعتبار ان الواقع اليوم لم يعد مجرد تدبير يومي للشأن المحلي، بل اصبح انخراطا في رؤية استراتيجية قائمة على التخطيط، والتتبع، وتقييم الأثر.

مما يستلزم  على المنتخبين بضرورة 

الإلمام بآليات الحكامة ، وفهم أدوارهم داخل اللجان المحلية والجهوية والتي سيتم الاعلان عنها، مع القدرة على التفاعل مع المعطيات السوسيو-اقتصادية، والمساهمة في تشخيص الحاجيات بشكل موضوعي،

بالاضافة لتجاوز منطق الحسابات السياسية الضيقة، والعمل بمنطق المصلحة العامة والتنمية المندمجة..

فنجاح هذا النموذج يظل رهينا بمدى قدرة المنتخبين على مواكبة هذا التحول، وفهم آليات اشتغال هذه اللجان ، بما يضمن حسن تتبع المشاريع وعدم انحرافها عن أهدافها الأصلية… ، لأن المشروع  يهدف إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية متوازنة، خاصة بالعالم القروي والمناطق الهشة. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطا بمدى انخراط المنتخبين بجدية ومسؤولية في تنزيل هذه البرامج عبر التنسيق والمواكبة …

كفرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، لكنه في الآن ذاته يضع المنتخبين أمام اختبار حقيقي: إما الارتقاء إلى مستوى هذه التحولات الكبرى، أو السقوط في منطق التدبير التقليدي الذي لم يعد قادرا على مواكبة انتظارات المرحلة.

وهذا كله يتطلب طبعا فهما دقيقا لآليات اشتغاله  ..

فوزير الداخلية خلال المجلس الوزاري الذي ترأسه جلالة الملك، قدم  تصورا متكاملا تمحور حول ضمان الفعالية في التنفيذ والنجاعة في الأداء، من خلال إرساء منظومة حكامة واضحة، وآليات تدبير حديثة، وأدوات دقيقة للتتبع والتقييم، من خلال التأكيد على اعتماد حكامة متعددة المستويات تنطلق من المحلي باعتباره النواة الأساسية لإعداد البرامج وتتبعها، و العمل على إحداث لجنة على صعيد كل عمالة أو إقليم يرأسها العامل، تضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة، تتولى صياغة برامج التنمية الترابية المندمجة بناءً على التشخيص الترابي والتشاور مع الساكنة، مع الحرص على تثمين المؤهلات المحلية وضمان انسجام المشاريع مع الخصوصيات المجالية، في حين يتم على المستوى الجهوي إحداث لجنة يرأسها والي الجهة تتكلف بتجميع مختلف البرامج الإقليمية وضمان تكاملها وتناسقها في إطار رؤية جهوية موحدة، أما على المستوى الوطني، فقد تم التنصيص على إحداث لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة تضم مختلف القطاعات الوزارية المعنية، تتولى المصادقة على هذه البرامج والسهر على ضمان طابعها المندمج والتشاوري، إلى جانب تعبئة الموارد المالية اللازمة ووضع مؤشرات دقيقة للتتبع والتقييم لقياس الأثر الفعلي للمشاريع، وبموازاة مع ذلك، تم إقرار آليات تنفيذ جديدة ترتكز على إحداث شركات مساهمة على المستوى الجهوي يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات، ستتولى إنجاز المشاريع عوض الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من المرونة في التدبير والرفع من نجاعة الأداء، مع الحفاظ على مبادئ الحكامة الجيدة والرقابة العمومية، كما تم التشديد على تعزيز آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال إخضاع تنفيذ هذه البرامج لتدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، بما يضمن تتبع مستوى الأداء والتأكد من احترام المساطر القانونية والتنظيمية، إضافة إلى ذلك، تم التنصيص على إحداث منصة رقمية وطنية مخصصة لهذه البرامج، تتيح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين الولوج إلى كافة المعلومات المتعلقة بالمشاريع، سواء من حيث البرمجة أو نسب التقدم في الإنجاز، وهو ما يعزز الشفافية ويتيح تتبعاً آنياً ومنتظماً لمختلف العمليات، ويشكل أداة أساسية لترسيخ الثقة بين الإدارة والمواطن، وضمان الانخراط الجماعي في إنجاح هذا الورش التنموي الكبير…

والأكيد ان فهم واستيعاب آليات تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يحمل بين طياته بعداً استراتيجياً يتجاوز الجانب التقني إلى كونه شرطاً اساسيا في نجاح التحول التنموي برمته، ذلك أن هذا الورش لا يعيد فقط ترتيب الأولويات العمومية، بل يعيد صياغة هندسة القرار والتنفيذ والتقييم داخل المنظومة الترابية. فالمقاربة الجديدة تقوم على تداخل دقيق بين مستويات متعددة للحكامة، حيث تتقاطع سلطة القرار المحلي مع التأطير الجهوي والتنسيق الوطني، في إطار شبكة مؤسساتية تتطلب فهماً دقيقاً للأدوار والاختصاصات ومسارات اتخاذ القرار. ومن هنا، يصبح استيعاب هذه الآليات بالنسبة للمنتخبين والفاعلين الترابيين شرطاً أساسياً لتفادي اختلالات التنزيل المرتبطة عادة بسوء التنسيق أو ضعف الانسجام بين المتدخلين أو القراءة غير الدقيقة للأولويات الترابية. كما أن إدخال أدوات جديدة في التدبير، مثل الشركات الجهوية المكلفة بالتنفيذ، وآليات التدقيق والمحاسبة السنوية، والمنصات الرقمية للتتبع، يكرس انتقالاً واضحاً نحو نموذج يقوم على النجاعة وربط المسؤولية بالنتائج القابلة للقياس، وهو ما يفرض على المنتخبين تطوير قدراتهم في التحليل والتخطيط والتتبع بدل الاكتفاء بأدوار تمثيلية تقليدية. مما يجعل من الفهم العميق لآليات التنزيل ليس مجرد معرفة إجرائية، بل مدخلاً لإعادة تشكيل دور المنتخب نفسه داخل المنظومة التنموية، من فاعل ظرفي إلى شريك استراتيجي في صناعة القرار الترابي …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock