مقالات الرأي

تجوال أخير …

عثمان ناجي

حاولت أن اتجاهل أخبار المواقع المتخمة بعناوين بئيسةو قصاصات تكرر بشاعات جرائم الإغتصاب و القتل و السرقة، و أحداث مختلفة يترفع الشيطان نفسه عن فعلها.


تجاهلت كل شاحذي السكاكين المنتشرين الآن في جنبات الطرق،و كأن الأمر استعداد لحرب وحشية لا رحمة فيها.
كومات التبن المعروضة على أرصفة المدينة لا معنى لها في الصورة.على الأقل،لا تعنيني في شيء،رغم ايحاءاتها بضرورة الانصياع للقطيع.


تأملت في صرخات بائع متجول منع من عرض حبات فول سوداني على طاولة متحركة فثار و ازبد و ارغى،ثم انتهى مادة إعلامية رخيصة تذيلها تعليقات هوجاء و أحيانا نادرة و حكيمة، أو غاية في الغرابة.


للباعة المتجولين مرور عجيب في الأدب و في التاريخ.
كتب آرثر ميلر، المتوفي سنة 2005 ، مسرحية” موت بائع متجول”،مزج فيها بين الرمزية والواقعية . المسرحية الحزينة منحته جائزتي “بوليتزر” و “دراما كريتيكس آوارد” وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة.

تنتقد المسرحية الحلم الأمريكي و فشل جيل كامل في بحثه عن الكرامة و السعادة داخل مجتمع راسمالي يحكمه الجشع و المال.


قبل عقد من الزمن،اشعل بائع متجول النار في جسده ،و تحول وقودا لثورة كبرى في تونس.سماها الإعلام المتعجل ثورة الياسمين.ذبل الياسمين،و انهار الإقتصاد و انتهى الأمر بالتونسيين تحت رحمة كورونا،بعد أن عجزت الحكومة عن توفير اللقاح و العلاج معا.


الباعة المتجولون يحملون سلعتهم و يبحثون عن زبون محتمل،السياسيون المتجولون يحملون جشعهم و أكاذيبهم و يبحثون عن حزب يمنحهم ممرا جديدا نحو البرلمان.


سلعة البائع المتجول غالبا موسمية،برتقال في الشتاء و تين في الصيف ،و ما بينهما بيض و فول سوداني أو موز أصفر جميل.


المتجولون الآخرون يصبحون يسارا في الإتحاد الاشتراكي،ثم يمسون يمينا في الحركة الشعبية أو حزب الإستقلال،و قد يقبلون بتزكية من الأصالة و المعاصرة الذي لم يعد يفهم أي عاقل لما يصلح بالضبط و أين موقعه في المشهد السياسي .


يعاني بطل مسرحية” موت بائع متجول” ويلي لومان مع ذكرياته عن الماضي الأسعد.بسبب ذاكرة ويلي الضعيفة ، لا يعرف البائع المتجول أحيانًا ما إذا كان يعيش في عالم اليوم أو الأمس.


منظر الباعة المتجولين هو نفسه،و منظر السياسيين القدامى لم يتغير كذلك. لا زالوا يتشبثون بكراسيهم مثل طفل يحضن لعبته المفضلة.


اذا كان البلد قد تغير كما يطبل البعض ،فلا شك أننا جميعا مثل البائع المتجول ويلي لومان نعاني من تداخل غير مفهوم بين الماضي و الحاضر.


على الأقل،ماضي ويلي لومان كان جميلا و جذابا.
الغد عيد قادم، سوف أتجاهل كل ما سبق و ليكن زاد المناسبة تفاؤل بيوم للمحبة،و للمحبة لا غير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock