مقالات الرأيسياسة

بنكيران يكتب …

عثمان ناجي /كرونو نيوز

حين تنتهي السياسة، تبدأ الكتابة.هكذا تعود العالم على اكتشاف مناطق الظل و الآراء الشخصية أو أسرار الحياة الخاصة لقادة سابقين،بمناسبة نشر سيرهم الذاتية ،أو ما شابه من خواطر و كتابات.

الكاتب الصحفي عثمان ناجي


يحصل هذا عادة بعد أن يغادر المرء حلبة الصراع،و يصبح مجرد شاهد على حقبة في تاريخ بلده.


ترك فاليري جيسكار ديستان الإليزيه عام 1981،بعد هزيمة غير منتظرة أمام فرنسوا ميتران.ودع أنصاره عبر شاشة التلفزة،و هو يكتم دموعا غالبته بشدة.


استمتع القراء كثيراً،سواء من مناصريه أو غيرهم بقراءة كتاب «السلطة والحياة».فقد حمل المؤلف تفاصيل صغيرة مثيرة و عواطف مختلفة لم يكن بوسع الرئيس الفرنسي الأسبق ليبوح بها خلال ولايته،احتراما لواجب التحفظ و هيبة المنصب الأسمى في فرنسا.

ترك إذن مساهمة ثمينة في اغناء تاريخ السياسة و في إلهام الجيل الجديد.


طبعا،اعترف الرجل بالهزيمة و مضى الى حال سبيله،بكل شرف و بكل إحترام.


كان تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أولا حدثا مميزا في تاريخ الصراع السياسي بين قوى اليسار المغربي و المرحوم الحسن الثاني.في سابقة استثنائية،أصبح المعارض السابق يقود حكومة تناوب فتحت أبواب أمل كبير و ساهمت لاحقا في ميلاد العهد الجديد،و مفاهيم العهد الجديد.


توقفت فجأة الحياة السياسية للراحل اليوسفي،بعد بيان “الخروج عن المنهجية الديمقراطية”و ما رافقه من أحداث.خرج الرجل من الباب الكبير،و ترك هو الأخر مذكرات تستحق قراءات كثيرة،”أحاديث في ما جرى”.


هكذا،ساهم هو أيضا في تقليد عريق و ديمقراطي يقتضي أن يشارك السياسيون جزءا من حياتهم مع جمهور القراء.
دخل عبد الرحمان اليوسفي السياسة دفاعا عن أفكاره،و غادرها زاهدا و انيقا كما اول مرة.


بعد أن اختار المغاربة دستورا جديدا،فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات و أصبح عبد الاله بنكيران رئيسا للحكومة.

أمضى الرجل جزءا من مهمته بين قرارات سيتبين لاحقا أن ضررها يفوق نفعها اضعافا مضاعفة،و قفشات مضحكة لم ترقى أبدا إلى تصريحات أو أقوال ملهمة و متفردة.


بعد أن فشل في تشكيل الحكومة،جراء مفاوضات لا زال جزء كبير منها غامض،اختار أن يستمر في مخاطبة المغاربة عبر لايفات أكدت قدرته على المناورة السياسية و التشويش،حتى على حلفاءه و “إخوانه.”
ببساطة،لم يتقبل عبد الاله بنكيران نهاية مشواره السياسي.


لم ينشر لهذا السياسي سوى رسالة مشهورة موجهة لوزير الداخلية الأسبق إدريس البصري،يعرض فيها خدماته،ذيلها بعبارة “الخادم المطيع”.


قبل أسبوع أو اكثر، عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة السابق اتحف عموم متتبعيه برسالة مكتوبة بخط رديء و أسلوب أقرب إلى وكالة إدارية، تبدا بعبارة :

أنا الموقع أسفله، و تنتهي بتصريح غريب يخص قطع علاقته بمجموعة أشخاص بعينهم. بعد أيام ،يقترف الرجل رسالة ثانية بنفس الركاكة يتراجع فيها عن مقاطعة أخوته ،دون مزيد من الشرح او التفصيل .


طبعا، لا أحد يعلم تماما لماذا اختار رئيس وزراء أسبق طريقة تواصل تثير الدهشة بفقرها اللغوي و بمضمونها الغريب و الهزيل.


مرة ،خلال لقاء متلفز مع الإعلام الفرنسي، استحضر الحسن الثاني عبارة قد تلخص كل شيء:
الرجل هو الأسلوب.


من كان كبيرا في السياسة بمواقفه و انجازاته ،ينتهي كبير و يترك أثرا عميقا عبر الكتابة.


أما غير ذلك، فهو مجرد عابر حالفه الحظ ليتربع فوق كرسي أكبر منه، و لم ينل منه البلد سوى الرداءة و سوء التدبير، و مخطوطات هزلية مثيرة للشفقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock