مقالات الرأيفن وثقافة

سراديب طنجة

عثمان ناجي/ كرونو نيوز.

تكتشف طنجة هذه الأيام سراديبها السرية الجديدة، بعد أن تجاوزت بسرعة مذهلة قصة المعمل السري و الفاجعة العلنية و التي شغلت الطنجويين و باقي المغاربة.


متعة الاكتشاف لا تشبه في أي حال من الأحوال ألم الصدمة و هول واقعة القبو الشهيرة.


تمنح طنجة لزائرها دهشة الجمال و تصيبه بعشق نادر، نوع يعجز العاشق فيه عن فك شفرة المعشوقة و معرفة ما يجلبه لها جلبا، مثل مغناطيس لا يقاوم.


على الزائر أن يرجع مرارا لطنجة، و يفشل فشلا لذيذا في معرفة ما يغريه فيها، كل مرة. فاتنة بتقاسيم خاصة،تغري بهدوء.


يفترض البعض أن تاريخ المدينة ينثر سحرا خاصا على أماكنها، فيتنفس المار بدروبها، والجالس على كراسي مقاهيها عبق مرور الأمازيغ و الرومان و الاسبان و العرب و الانجليز .


ولأن العشق نصفه حقيقي و النصف الأخر يحلق فوق سحاب الخيال والاستيهام، فلطنجة نصيب وافر في عالم الأدب و الإبداع.


في 1969،أصدر وليام بوروز روايته عن طنجة (الغذاء العاري)، ثم نقل بول باولز ترجمة لقاص اسمه إدريس بن حامد الشرادي رواية بالإنجليزية تحت عنوان (حياة مليئة بالحفر).

طبعا، لم يعرف أبدا انه تنبأ بحالة شوارع و أزقة بعض أحياء المدينة، ناقصة التجهيز. أما محمد شكري فقد أهدى أدب العالم خبزه الحافي، وهي رواية لا شك لا زالت تتكرر في طنجة، وربما صار الخبز قاتلا كذلك.


المغربية -الامريكية ليلى العلمي أصدرت في امريكا سنة 2005 رواية (الأمل و مطاردات أخرى)، فنقلت ببراعة للقارىء الانجلوسكسوني ما يعرفه ساكن طنجة و القادم إليها عن أحلام العبور و قوارب الموت.


طنجة يا العالية،كما تقول الأغنية.
من هرقل الى محمد شكري، ومن فاجعة لا تغتفر إلى آثار سراديب غامضة، تستمر طنجة في جعل المغاربة ينظرون شمالا طول الوقت.


على بعد كيلومترات من طنجة،تحتضر مدن صغيرة و جميلة أخرى كانت تحلم أن تصير ببهاء طنجة.


واحدة منها هي كاستييخو كما يدللها سكانها، و الفنيدق كما تقول علامات التشوير الرسمية. هذه المدينة تؤدي لوحدها ثمنا باهظا نتيجة إغلاق الحدود مع جارتها سبتة.

عليها هي أن تواجه بالبطالة و الفقر و انقطاع الرزق بكل تعال و عجرفة الاسبان الذين يضعون يدهم منذ قرون على جيب سبتة الاستراتيجي.


يسعى المغرب الى خلق حضور قوي في تجارة المتوسط عبر الميناء و عبر طنجة و نواحيها.و قد ينجح.بل عليه أن يفعل و بكل شجاعة.


قبل أن يغلق ،يتأكد الطبيب أن ادوات الجراحة و توابعها كلها خارج بطن المريض، فمهما كان الجراح بارعا،فنسيان مقص أو مبضع داخل أحشاء المريض خطأ لا يغتفر.


في حالة طنجة و مصانعها و سراديبها و الفنيدق و بوابات حدودها،ألمْ تنسى الحكومة شيئا ما ؟


ابحثوا جيدا، و إلا فإن رائحة الفساد الإداري و التهميش الممنهج ستحول فاتنات الشمال الى مدن فاشلة و قاتلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock