فن وثقافة

المثقف الذي أعار ضميره لسلطة ما.

المثقف الذي أعار ضميره لسلطة ما، مادية أو رمزية، سياسية أو اجتماعية… مثقف بدون جدوى.

عادل بن الحبيب

في أغلب الأدبيات والدراسات التي تتناول مفهوم المثقف، يوجد دائما خلط واضح بين النظر إلى المثقف كما يجب أن يكون من ناحية، وواقعه الذي يعيشه من ناحية أخرى. وينتج عن هذا الخلط المفاهيمي عدد كبير جدا من التعريفات والتصورات التي تختلف عن بعضها البعض. فهناك من يربط المثقف بالثقافة، وهناك من يربطه بالتعليم.

فالشخص المثقف هو الذي تلقى قدرا من التعليم. وهناك من يربطها بالأفكار، وهنا يصبح المثقف هو الشخص القادر على انتاج الأفكار الجديدة، أو لديه المقدرة على التعامل مع الأفكار القديمة التي انتجها الفلاسفة والأدباء والمؤرخين وغيرهم.

يصعب الإحاطة بمعنى المثقف ،فبعضهم يضع حملة الشهادات العلمية والظهور الإعلامي والفني ضمن دائرة من يسميهم “مثقفين”، وبعضهم يضع حدودا دنيا للمثقف، مثل: الوعي والفهم والتفكير الصحيح وسعة الأفق، بغض النظر عن مؤهلاته العلمية ومكانته الاجتماعية.


وهناك من لا يراه مثقفا حتى لو تحلى بهذه الحدود الدنيا إذا لم تنعكس هذه المؤهلات على سلوكه الشخصي وحركته في المجتمع. ومنهم من لا يعطي لقب “مثقف” إلا لمن يقوم بدوره الرسالي في المجتمع ، فليس مثقفا من لا يعرف مشكلات بيئته ومجتمعه ويقدم لها حلولا، ويشعر بالمسؤولية تجاه النهوض بمجتمعه والاستعداد للتضحية في سبيل ذلك.


إذن نحن أمام تعاريف للمثقف تتسع لتشمل كثيرا من المشتغلين بالفكر النابع من فهم ووعي ووضوح الرؤية وسعة أُفق، وصولا إلى دور الرسالة التي يقدمها للمجتمع.

المثقف الحقيقي هو من تتحول عنده الأفكار إلى نماذج ومثل ومبادئ لا تفرق بين عقيدة وعقيدة، أو لون ولون، أو جنس وجنس، أو توجه سياسي وآخر،بمعنى أن المثقف هو ضمير المجتمع، وهو المعبر عن آلامه وآماله، وحامل مشعل النور في سبيل البلوغ لنظام سياسي واجتماعي أكثر إنسانية وعقلانية.


الميزة الأساسية التي تميز المثقف الحقيقي، ليست الشهادات الجامعية العليا، ليست الدكتوراه، وليست حتى عدد الكتب التي يكون قد قرأها، بل هي استيعابه وتمثله، وليس فقط ادراكه للعقل العلمي، الذي يعني في أبسط معانيه استخدام العقل لاتخاذ قرار بشأن كيفية التصرف، وقدرته بالتالي على ممارسته في المشاكل التي يدرسها ويعالجها، وفي الحوار أو النقاش الذي يدخل فيه. إنها القدرة على الموضوعية العلمية والعقلانية العلمية والعقل النقدي في استيعاب المعرفة، لهذا كان من السهل على المتعلم أو المثقف بأن يكون نصف-مثقف على يكون مثقفاً حقيقياً، لأن النصف الآخر لا يتوفر عن طريق القراءة، أو الشهادات الجامعية أو المعرفة فقط، بل بادراك طبيعة المعرفة الحقيقية.


وبهذه الإحاطة بمعنى المثقف سيتساقط كثير ممن ينتحلون لأنفسهم صفة مثقف، أو ممن ينحلهم الناس تلك الصفة لمجرد شهادة علمية مرموقة، أو تميز فني أو شهرة إعلامية، وقد تنطبق على كثير ممن يبدون بسطاء وهم يحملون في أعماق بساطتهم صورة المثقف الحقيقي.

الإصلاح هو نسق متكامل من الإجراءات النظرية والعملية، ينشأ عادة عن ضرورات التحول والتغيير في المجتمعات والدول، وذلك حينما تصبح هذه الأخيرة في مواجهة تحّديات الجمود والركود والتخلّف عن ركب التقدم. والإصلاح عادة يرتبط بسيرورات نمو هذه المجتمعات والدول التي تعاني فواتا تاريخيا أو تأخرا يتزامن مع وجود تقدم في محيطها، على المستويات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ووعي أولوية الإصلاح وضرورته ينبثقان عن نظرة سياسية واجتماعية نقدية للواقع الراهن ولمتطلباته، هو وعي يكتشف المفارقة والتباين في مستويات التطور بين الحالة المعاشة وآفاق التطور والممكن.


فمن يبادر إلى طرح هذه الضرورة؟ هل صاحب السلطة ؟ أم النخب السياسية، الثقافية، الاجتماعية…الخ؟ أم النخب المعارضة؟


ينبثق وعي الإصلاح وضرورته بالدرجة عن وعي النخب المثقفة المستقلة، وتتبلور لديهم هذه الحاجة قبل الجميع كما أثبت التجارب الحديثة.


يقول جان بول سارتر: أينما حل الظلم فنحن المثقفون معنيون به. بهذا المعنى يضع سارتر ضمير المثقف، بصفته تمثيلا فرديا لحضور الضمير الإنساني الكلي فيه، أمام تحدّي وضع الإنسان ومصيره. إذ يتعين عليه -نعني ضمير المثقف- أن يكون ترمومتر للتمييز بين العدل والظلم، بين الخير والشر، بين القبح والجمال، بين الحرية والقهر.


الحديث عن المثقف ودوره عموما هو حديث عن ذلك الفرد الذي اختص بهندسة الضمير والوعي. فالروح الإنسانية والضمير يتجليان في الثقافة أكثر من أّي شيء آخر، التي تشّكل نطاق العمل الخاص بالمثقف.

من هنا تبرز تلك العلاقة الوثيقة بين ضمير المثقف وبين مضمون الثقافة. لكن ماذا لو كان ضمير المثقف ضامرا ووعيه معّطلا ؟ في هذه الحالة يكون المثقف قد أدار ظهره لآلام البشر وغاص في مستنقع اللامبالاة والأنانية، وتكون الثقافة قد استحالت على يديه إلى هراء أو وثرثرة فارغة ونفاق وتملّق. الثقافة الحية تشترط في المثقف الحرية والاستقلال علاوة على وعيه النقدي الرفيع.


والمثقف الحقيقي لا يمكنه، إذا أراد أن يبقى صادقا ومنسجما مع نفسه، مخلصا لقضية الإنسان والحقيقة، أن يبقى محايدا وهو يرى ما يحدث من حوله في هذه العالم. الموقف إزاء كل ذلك يشترط في المثقف الحرية واستقلال الإرادة، لكن أن يكون المثقف أسير النفوذ أو الثروة أو القوة، وبعبارة أخرى أن يكون مثقف السلطة، سواء أكان مثقف سلطة الحزب ، أو مثقف سلطة المال أو سياسية، أو مثقف القبيلة و العشيرة ، ففي مثل هذه الحالة يتعذر الحديث عن حرية المثقف واستقلال إرادته، ومن ثم من المحال أن تتوقع منه موقفا أو رأيا يعّبر عن قوة الضمير الإنساني لديه.


في مثل هذه الحالة لا ينبغي أن نتوقع إبداعا حقيقيا من مثل هذا الطراز من المثقف الذي أعار ضميره لسلطة ما، مادية أو رمزية، سياسية أو اجتماعية، وتماهى معها. إنه يفتقر إلى الجدارة المعرفية مثل افتقاره إلى الجدارة الأخلاقية والإنسانية.


نحتاج الى ذلك المثقف النقدي، ذاك الذي يحفر في العمق، ويحاكم الماضي والحاضر، فيشخص ويشير للعلة بشجاعة، والذي لا يهادن ولا يستكين لأي سلطة ، مثقف قبل غيره يبحث عن الحقيقة أو الحكمة التي هي ضالة المؤمن، فلا يسعه التخلي عن دوره الطبيعي. فهو يمثل مرجعية مهمة لا تستقيم سلطة محاسبة أنظمة الدولة السياسية والاقتصادية وأنظمة المجتمع الاجتماعية دون تشغليها، إنه يخوض مغامرة جرئية، مغامرة نقد تأخر وتخلف المجتمع. من هنا جاءت مهمة المثقف بصفته حامل رسالة التغيير والمشاركة مع الناس في تحقيقه.


دور المثقف ليس تفسير العالم وإنما تغييره، فالفكرة عندما تتملك الإنسان، تقرر له وظيفة اجتماعية؛ هذه الوظيفة شكل من أشكال الحراك الذي يُفترض أن المثقف يقوم به، ذلك أن وظيفة المثقف ليست فكرية ومعرفية فقط، بل اجتماعية أيضا، الوظيفة التي وصفها الكاتب عبد الإله بلقزيز بأنها وظيفة: “الانشغال بالقضايا العامة، والمشاركة فيها بالرأي والموقف، والانحياز للطبقات الاجتماعية الكادحة أو المهمشة، والنضال ضد اللامساواة والقمع. لا تكتمل صورة المثقف، بل لا يكون أهلاً للحمل الصفة هذه، ما لم يستكمل وظيفته المعرفية بهذه الوظيفة الاجتماعية التي تُخرجه من فرديته إلى كينونة اجتماعية أعلى يُدرك فيها صلات المعرفة بالاجتماع المدني والسياسي.

بهذه الوظيفة المُضافة يولد معنى المثقف ولادة جديدة تخرج به من لحظة «أنا أفكر» إلى لحظة «أنا أمارس»”، الوظيفة الاجتماعية للمثقف تجعله وسيطا بين المعرفة والجماهير، حينئذ تتحول المعرفة والأفكار إلى قوة مادية عندما تتملكها الجماهير.
لكن يبقى السؤال كم مثقفا نقديا عندنا في ثقافتنا العربية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock